الفيض الكاشاني
284
أنوار الحكمة
الحلقوم ؛ فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ، وينكشف له ما لم يكن مكشوفا في الحياة الدنيا - كما ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم - و « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » « 1 » . وأوّل ما ينكشف له ما يضرّه وينفعه من علومه وإدراكاته الحقّة أو الباطلة ، وحسناته وسيّئاته . وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطويّ في سرّ قلبه - كما نصفه فيما بعد - وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا ؛ فيبدو له حينئذ ، كما قال اللّه - سبحانه - : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ 39 / 47 ] . فلا ينظر إلى اعتقاد باطل أو سيّئة إلّا ويتحسّر عليها ، تحسّرا يودّ أن يخوض غمرة النار للخلاص منه ، وتشتعل فيه نيران الفراق - أعني فراق ما كان يطمئنّ إليه من هذه الدنيا الفانية ، من مال أو جاه أو عقار ، حتّى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به ؛ دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة ، فإنّ ذلك يفرح بمفارقته لبلوغه المقصد - . فإن لم يكن فرحه إلّا بذكر اللّه ولم يأنس إلّا به ، عظم نعيمه وتمّت سعادته ، إذ خلي بينه وبين محبوبه ، وقطعت عنه العوائق والشواغل ، والعبرة بما يغلب على قلبه عند السكرات وظهور الأهوال من الخواطر ؛ فهو لا يزال على ذلك الخاطر ، فإنّ المرء يموت على ما عاش عليه . ولهذا ورد في الحديث « 2 » : « لا يموتنّ أحدكم إلّا وهو يحسن الظنّ باللّه ، فإنّ حسن الظنّ باللّه ثمن الجنّة » .
--> ( 1 ) كلام مشهور ، وقد نسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . راجع البحار : 4 / 43 و 50 / 134 . والإحياء : كتاب التوبة ، بيان توزّع الدرجات ، 4 / 35 . أحاديث مثنوي : 81 ( نقلا عن زهر الآداب : 1 / 60 ) . وقال العراقي ( المغني ، المطبوعة بذيل الإحياء الطبعة القديمة : 4 / 23 ) : « لم أجده مرفوعا ، وإنما يعزى إلى علي بن أبي طالب » . وجاء في نهج البلاغة ( الحكمة 64 ) : « أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام » . ( 2 ) في أمالي الطوسي : المجلس الثالث عشر ، ح 65 ، 379 : « لا يموتنّ أحدكم حتّى يحسن ظنّه باللّه . . . » . عنه البحار : 81 / 235 ، ح 12 . ومثله في كنز العمال : 3 / 137 ، ح 5861 .